شهد سوق العملات الرقمية خلال الأشهر الستة الماضية مرحلة تراجع ملحوظة، في وقت حققت فيه الأسهم والمعادن وشركات الذكاء الاصطناعي مكاسب قوية. هذا التباين دفع المستثمرين إلى التساؤل حول أسباب ضعف أداء الكريبتو رغم استمرار تطور القطاع تقنيًا واستثماريًا.
يرى عدد من المحللين أن هذا التراجع لم يحدث بشكل عشوائي، بل نتج عن مجموعة عوامل متزامنة أثرت على السيولة والثقة وسلوك المستثمرين.
صدمة التصفية الكبيرة وتأثيرها على السيولة
أحد أبرز الأحداث التي ضغطت على السوق كان ما يُعرف بصدمة التصفية الكبرى، حيث أُغلقت مراكز مالية مرفوعة تتجاوز قيمتها 19 مليار دولار، ما أثر على نحو 1.6 مليون متداول.
تسببت هذه الموجة في انسحاب صناع السوق ومزودي السيولة، كما انخفض عمق دفاتر الأوامر بشكل حاد. لذلك لم يتمكن السوق من التعافي سريعًا، وأصبحت أي موجة صعود لاحقة ضعيفة مقارنة بالدورات السابقة.
تراجع شركات خزينة الأصول الرقمية
شهدت شركات مدرجة في البورصات اندفاعًا نحو شراء العملات الرقمية ووضعها ضمن احتياطياتها، حيث تجاوزت حيازاتها الإجمالية مليون بيتكوين إضافة إلى إيثريوم وأصول أخرى.
في البداية جذبت هذه الخطوة المستثمرين ورفعت التقييمات، لكن الحماس المفرط أدى لاحقًا إلى تراجع الأسعار وتداول بعض هذه الشركات بخصومات كبيرة. ومع تباطؤ عمليات الشراء المؤسسي، تراجع الزخم الصعودي في السوق.
التأثير السياسي ودخول المؤسسات المالية
ارتباط قطاع الكريبتو بالسياسة والانتخابات أثار جدلًا واسعًا وأثر على صورة السوق لدى بعض المستثمرين. ورغم ظهور مقترحات تنظيمية إيجابية، إلا أن الضبابية التنظيمية بقيت عامل ضغط نفسي واستثماري.
في الوقت نفسه ارتفعت حصة المؤسسات الكبرى من بيتكوين، خاصة عبر الصناديق المتداولة والشركات الاستثمارية. هذا التحول عزز الطابع المؤسسي للسوق، لكنه جعل تحركات الأسعار أكثر ارتباطًا بالأسواق التقليدية.
عملات الميم وتشتت السيولة
طفرة عملات الميم أدت إلى خسائر كبيرة لكثير من المستثمرين بعد ارتفاعات سريعة تبعتها انهيارات حادة. وتشير تحليلات عديدة إلى أن نسبة كبيرة من هذه المشاريع اعتمدت على المضاربة القصيرة بدل القيمة الفعلية.
كما أن وجود آلاف العملات الرقمية النشطة أدى إلى تشتت السيولة، حيث تركز المؤسسات عادة على بيتكوين وإيثريوم، بينما تتنافس المشاريع الأصغر على رؤوس أموال محدودة.
ضغوط الاقتصاد الكلي ومنافسة الذكاء الاصطناعي
التوترات الاقتصادية العالمية وعدم وضوح اتجاه أسعار الفائدة أثرا على شهية المخاطرة لدى المستثمرين. بالتوازي، جذبت قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي اهتمامًا استثماريًا كبيرًا، ما حول جزءًا من السيولة بعيدًا عن العملات الرقمية.
هذا التداخل بين العوامل الاقتصادية والتقنية والاستثمارية ساهم في إبطاء تعافي السوق خلال الفترة الأخيرة.
هل يستمر التراجع أم تبدأ دورة جديدة؟
يعتمد مستقبل سوق الكريبتو على عدة عوامل، أبرزها عودة الابتكار، وتعزيز الثقة التنظيمية، وتحسن الظروف الاقتصادية العالمية. تاريخ العملات الرقمية يُظهر دورات متكررة من الصعود والتصحيح، لذلك يبقى احتمال التعافي قائمًا مع تغير المعطيات.

